الشيخ محمد رشيد رضا

53

الوحي المحمدي

آية نبوة محمّد العقلية العلمية وسائر آياته الكونية إن ما رواه المحدثون بالأسانيد المتصلة تارة ، والمرسلة « 1 » أخرى من الآيات الكونية التي أكرم اللّه تعالى بها رسوله محمدا صلّى اللّه عليه وسلم وهي أكثر من كلّ ما رواه الإنجيليون وأبعد عن التأويل ، ولم يجعلها برهانا على صحة الدين ، ولا أمر بتلقينها للناس . ذلك بأن اللّه تعالى جعل نبوة محمد ورسالته قائمة على قواعد العلم والعقل في ثبوتها وفي موضوعها ؛ لأن البشر قد بدءوا يدخلون بها في سن الرشد والاستقلال النوعي الذي لا يخضع عقل صاحبه فيه لا تباع من تصدر عنهم أمور عجيبة مخالفة للنظام المألوف في سنن الكون ، بل لا يكمل ارتقاؤهم واستعدادهم العقلي مع هذا الخضوع ، بل هو من موانعه ، فجعل حجة نبوة خاتم النبيين عين موضوع نبوته ، وهو كتابه المعجز للبشر بهدايته وبعلومه ، وبإعجازه اللفظي والمعنوي ، وبأنباء الغيب الماضية والحاضرة والآتية فيه « 2 » ؛ ليربى البشر على الترقي في هذا الاستقلال ، إلى ما هم مستعدّون له من الكمال . هذا الفصل بين النبوات الخاصة الماضية ، والنبوة العامة الباقية ، قد عبّر عنه النبىّ صلّى اللّه عليه وسلم بقوله : « ما من الأنبياء من نبي إلا وقد أعطى من الآيات ما مثله آمن عليه البشر ، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه اللّه إلىّ ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة » . متفق عليه من حديث أبي هريرة - رضى اللّه عنه . وقصّ اللّه تعالى علينا في كتابه : أن المشركين اقترحوا الآيات الكونية ( العجائب ) على رسوله ، فاحتج عليهم بالقرآن في جملته ، وبما فيه من أخبار الرسل والكتب السابقة التي لم يكن يعلمها هو ولا قومه ، وبهدايته وبعلومه وبإعجازه ، وعدم استطاعة أحد ولا جماعة ولا العالم كله على الإتيان بمثله : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [ سورة الإسراء : 88 ] ، وسيأتي تفصيله .

--> ( 1 ) الرواية المرسلة للحديث هي التي لم يذكر فيها اسم الصحابي الذي رفعه إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم . ( 2 ) قد بينّا ذلك في تفسير آية التحديث من سورة البقرة من بضعة وجوه . وسنزيده بيانا في هذا الكتاب . وإنما موضوعنا هنا بيان الفرق بين نبوة نبينا صلّى اللّه عليه وسلم ونبوة من قبله .